عبد الملك الجويني

468

نهاية المطلب في دراية المذهب

الغرر ، ولسنا ننظر إلى غرض التجارة في ذلك ، صائرين إلى أن البيع إذا كان من مليء ، وفيٍّ ، وحصل مع ذلك التوثّقُ برهنٍ ، أو كفيلٍ ، فهذا مما يعتاده التجار ، من ضروب التجارة ؛ فإن هذا تصرفٌ مستفادٌ بالإذن ، فكان محمولاً على مطلق الإذن . وأمرُ الوكيل بالبيع والابتياع إذا جرى مطلقاً ، نافى النسيئة ، ونزل منزلة العقد لو فرض مطلقاً ، ولو كان البيعُ والشراء مطلقين ، تضمَّنا حلولَ العوض . وهذا فيه ضربٌ من التلفيق ؛ فإن معتمدنا في بيع الوكيل العرفُ ، ولأجل ذلك منعنا بيعَه بدون ثمن المثل ، إذا كان موكلاً بالبيع مطلقاً ، فكان لا يمتنع أن يتعلق متعلق بقرينة الحال في قصد التجارة : ويسوِّغُ من المقارض في استصلاح المال ما يجوز من أب الطفل ، ولكنّ المانعَ منه أن الولاية تُثبت رتبةَ الاستقلال للولي ، والشفقةُ المعتضدةُ بالعدالة والديانة تُؤَمَّنُ من [ بوائقِه ] ( 1 ) ؛ فقيل له : تصرف في مال طفلك تصرفَك في مال نفسك ، إذا كنت ترعى الغبطةَ ، وصلاحَ المال . والقراضُ دائرٌ بين مستقلّيْن ، لا ينتظم التصرف بينهما إلا باللفظ ، والأغراض تختلف اختلافاً بيناً ؛ فلم يمكنا أن نترك اللفظ على عُرفٍ مطّردٍ ؛ فمن التجار من لا يبيع نسيئةً أصلاً ، ولا يشتري نسيئة ويُعدُّ صاحبَ النسيئة على مجازفةٍ وغرر . وهذا يغلب في معظم الأزمان . فإن لم يتّحد الغرض ، ولا متعلّق إلا اللفظ ، فمطلقه يقتضي الحلولَ في البيع ، والشراء . فإن قيل : إن ظهر تفاوتُ الأغراض في البيع نسيئةً ؛ من جهة أنه يتضمن إزالةَ اليد عن الملك ، وانتظارَ الثمن ، والطوارقُ تطرق ، والعوائق تطرأ فهذا متَّجهُ . أما الشراءُ بالنسيئة ، فما المانع منه ؟ قلنا : قد لا يؤْثر أصحابُ الديانات بقاءَ التبعات ، واشتغال الذمم ، وهذا غير مُنْكَرٍ في عادات كثير من الناس . هذا منتهى القول . ثم إذا أبطلنا البيعَ نسيئة ، ولم يصر المقارض متعدياً بنفس البيع حتى يسلّمه ، فإذا سلمه صار غَاصباً ، والمشتري منه مشترٍ من الغاصب ، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصىً في كتاب الغصب . فأما إذا اشترى شيئاً مؤجلاً ، فمن ضرورةِ التأجيل وقوعُ

--> ( 1 ) في الأصل : يوافقه .